محمد راغب الطباخ الحلبي

483

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وكان في نفسه رحلة أخرى يتمم بها اختباره للمسلمين وهي الرحلة إلى بلاد العرب ، ولكن حالت دونه المنية التي تحول دون كل الأماني والعزائم . أرأيت رجلا كريم الأصل ، كبير العقل ، تربى أحسن تربية ، وتعلم أحسن تعليم ، ودخل في الأعمال المختلفة ، وتصدى للمشروعات المتعددة ، وكتب في أدق المسائل أحسن الكتابة ، وساح في البلاد واختبر أحوال الأمم ، حتى بلغ أشده واستوى ، كيف يكون حاله وما هي درجة استعداده . هذا هو صديقنا الذي فقدناه بالأمس ، فكأنما فقدنا به الشمس . ومثل تلك الآمال الكبيرة لا تبلغ إلا بمساعدة الحكومة أو سعة المال أو الجمعيات ، وقد كان له أمل في مصر وأميرها أراه الاختبار خلافه . ولقد كان لموته تأثير كبير في نفوس الفضلاء والعقلاء ، وقد نعي إلى الجناب الخديوي في صبيحة الليلة التي مات فيها ، فأمر بأن يجهز على نفقة سموه وأن يعجل بدفنه ، فكان ذلك . فرحم اللّه فقيدنا وأحسن عزاء الإسلام والشرق فيه . ا ه . ( مجلة المنار ) . وترجمته أيضا على إثر وفاته جريدة اللواء والمؤيد والقاهرة والرقيب والأهرام ومجلتا المقتطف والهلال ، وكلها تضرب على وتر واحد من بيان فضله وسعة مداركه وعلو همته وآماله ، وذكرت أنه دفن في قرافة باب الوزير . ونقش على قبره بيتان من نظم شاعر النيل محمد حافظ إبراهيم نقلتهما من ديوانه المطبوع وهما : هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى * هنا خير مظلوم هنا خير كاتب قفوا واقرؤوا أمّ الكتاب وسلموا * عليه فهذا القبر قبر الكواكبي ورثاه الأديب الفاضل الشيخ مصطفى صادق الرافعي بقوله : أحقا رأيت الموت دامي المخالب * وفي كل ناد عصبة حول نادب وتحت ضلوع القوم جمرا مؤججا * تسعر ما بين الحشا والترائب وفي كل جفن عبرة حين أرسلت * رأوا كيف تهمي مثقلات السحائب أبى الموت إلا وثبة تصدع الدجى * وكم ليلة قد باتها غير واثب فما انفلق الإصباح حتى رأيته * وقد نشبت أظفاره بالكواكب [ ي ]